**شاعر و قصيدة**
من مواقف الإباء العربي ( لقيط بن يعمر الإيادي )
هو لقيط بن يعمر بن خارجة الإياديّ ، شاعر عربيّ جاهليّ ، من أهل الحيرة ، لم يُعرف من شعره
إلا القليل ، كان يحسن الفارسية ، و اتّصل بكسرى الثالث ( سابور ) أحد ملوك بني ساسان ( 383 ـ
387 م ) فكان يعمل كاتبا في دولته ، و اطّلع على الأسرار ، و اشتغل بالترجمة عنده .
رحلت قبيلة الشاعر العربية ( إياد ) إلى العراق ، و نزلت قريبا من أطراف فارس عند نهر ( سنداد
) قرب الحيرة ، و أدّى هذا الجوار إلى مناوشات بينهم و بين الفرس ، و ضاق بهم كسرى ( سابور )
فجهّز جيشا ليبطش بهم ، و لكنّ قبيلة إياد العربية هزمته في موقعة قرب نهر الفرات ، و جمعت
جماجم جنود الفرس في مكان الموقعة ، و منذ ذلك الحين عُرف ذلك الموضع باسم ( دير الجماجم )
.
و لمّا بلغ خبر الهزيمة كسرى استشاط غضبا ، و دعا لقيطا ، و كلّفه أن يكتب إلى قومه يدعوهم إلى
.
و لمّا بلغ خبر الهزيمة كسرى استشاط غضبا ، و دعا لقيطا ، و كلّفه أن يكتب إلى قومه يدعوهم إلى
الاجتماع في مكان واحد ليفاجئهم و يقضي عليهم ، و لكنّ نداء الدم العربيّ جعل لقيطا ينسى
منصبه ، و يكتب إلى قومه ليستعدّوا للقاء كسرى ، حتّى لا يفاجئهم على غرّة ، و سقطت القصيدة
في يد كسرى ، فسخط عليه و قطع لسانه ثمّ قتله .
يحذّر لقيط قومه في الأبيات الأربعة الأولى ، و يستهلّ هذه الأبيات بتوجيه خطابه إلى الرسول الذي
حمل رسالته ، قائلا له : أبلغ قومي عامّة و سادتهم خاصّة بأنّ أمر الأعداء قد ظهر ، و أنّ كسرى
يدبّر خطّته للقضاء عليهم ، و أنّ الحسرة ستكون شديدة إن كانوا متفرّقين و عدوّهم يستعدّ لإهلاكهم
، ثمّ يتعجّب لقيط لانغماس قومه في الترف ، بينما نذر الحرب تلوح في الأفق ، و يطالبهم بأن
يريحوا نفسه برأي سديد يواجهون به ما يحدق بهم من خطر .
و في الأبيات السبعة التالية ينتقل الشاعر من تحذير قومه ليرسم لهم طريق مواجهة العدوّ و
الاستعداد له قائلا : أعدّوا خيلكم للقتال ، و هيّئوا أسلحتكم ، و لا تنصرفوا إلى تهيئة أموالكم و
تتركوا الاستعداد للحرب ، فالمال إنْ لم تحمه القوّة فإنّه سيؤول إلى عدوّكم المنتصر ، و ليس المال
وحده هو الذي سيضيع ، بل سيذهب معه مجدكم ، و سيعتدي كسرى و جنوده على نسائكم ، و لو
حدث ذلك فسيكون فيه القضاء على كل أمجادكم و حرماتكم ، فاسمعوا و استعدّوا ، و كونوا يقظين
لخداع العدو ، فمن استعدّ لعدوّه أمن شرّه .
و في الأبيات الأخيرة يحدّد لقيط صفات القائد الذي يستطيع تحقيق النصر ، فيقول عنه : إنّه الواسع
المقدرة الذي ينهض بمسؤوليات الحرب ، لا تفسده النعمة ، و لا يخضع لمصاعب الحياة ، تؤرّقه
الهموم ، و تبعث فيه اليقظة ، و إذا أخلد إلى النوم تذكّر واجباته ، فهبّ من نومه ، جرّب الحياة
حلوها و مرّها ، لا يستبدّ برأيه ، و لا يشغل نفسه بجمع المال و رعاية الأبناء .
و في الختام ينهي الشاعر رسالته ببيتين يؤكّد فيهما إنذاره و نصحه لقومه ، راجيا أن يستفيدوا
بنصحه المخلص ، و يقدّروا خطورة الموقف الذي هم مقبلون عليه فيهبّوا للدفاع عن أنفسهم عاملين
بما قدّم إليهم من معلومات حاسمة ، فإنّ خير العلم ما نفع .
القصيدة :
أَبْلِغْ إِيَادًا وَخَلِّلْ فِي سَرَاتِهُمُ * إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ إِنْ لَمْ أُعْصَ قَدْ نَصَعَا
يَا لَهْفَ نَفْسِيَ أَنْ كَانَتْ أُمُورُكُمُ * شَتَّى وَأُحْكِمَ أَمْرُ النَّاسِ فَاجْتَمَعَا
مَا لِي أَرَاكُمْ نِيَامًا فِي بُلَهْنِيَةٍ * وَقَدْ تَرَوْنَ شِهَابَ الْحَرْبِ قَدْ سَطَعَا
فَاشْفُوا غَلِيلِي بِرَأْيٍ مِنْكُمُ حَصِدٍ * يُصْبحْ فُؤَادِي لَهُ رَيَّانَ قَدْ نَقَعَ
******
صُونُوا جيادكمُ وَاجْلُوا سُيُوفَكُمُ * وَجَدِّدُوا لِلْقِسِيِّ النَّبْلَ وَالشِّرَعَا
لاَ تُثْمِرُوا الْمَالَ لِلْأَعْدَاءِ إنَّهُمُ * إِنْ يَظْهروا يَحْتَوُوكُمْ وَالتِّلاَدَ مَعَا
ياَ قَوْمِ إِنَّ لَكُمْ مِنْ إِرْثِ أَوَّلِكُمْ * مجْدًا قَدَ اَشْفَقْتُ أَنْ يفنى و يَنْقَطِعَا
ماذا يردّ عليكـــــــــم عــــزّ أوّلكـــم * إنْ ضاع آخره أو ذلّ و اتّضــــعا
يَا قَوْمِ لاَ تَأْمَنُوا إِنْ كُنْتُمُ غُيُرًا * عَلَى نِسَائِكُمُ كِسْرَى وَمَا جَمَعَا
هُوَ الْفَنَاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أَصْلَكُمُ * فمنْ رأى مثل ذا رأيا و من سمعا ؟
قوموا قياما على أمشاط أرجلكــــم * ثمّ افزعوا ، قد ينال الأمنَ من فزعا
******
وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُ * رَحْبَ الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا
لاَ مُتْرَفًا إِنْ رَخَيُّ الْعَيْشِ سَاعَدَهُ * وَلاَ إِذَا عَضَّ مَكُرُوهٌ بِهِ خَشَعَا
لاَ يَطْعَمُ النَّومَ إِلاَّ رَيْثَ يَبْعَثُهُ * هَمٌّ يَكَادُ شباهُ يَفصِم الضِّلَعَا
مَا زَالَ يَحْلُبُ هذا الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ * يَكُونُ مُتَّبِعًا طورا وَمُتَّبَعَا
وَلَيْسَ يَشْغَلُهُ مَالٌ يُثَمِّرُهُ * عَنْكُمْ وَلاَ وَلَدٌ يَبْغِي لَهُ الرِّفَعَا
هَذَا كِتَابِي إِلَيْكُمْ وَالنَّذِيرُ لَكُمْ * لمنْ رأى رأيه منكم وَمَنْ سَمِعَا
و َقَدْ بَذلْتُ لَكُمْ نُصْحِي بِلاَ دَخَلٍ * فَاسْتَيْقِظُوا إِنَّ خَيْرَ العلْم مَا نَفَعَا
**************************
ـ السراة : الأشراف .
ـ بلهنية : نعيم .
ـ اشفوا غليلي : أريحوا نفسي .
ـ حصد : سديد .
ـ يحتووكم و التلاد : يستولوا عليكم و على أموالكم الموروثة .
ـ قلّدوا أمركم : اجعلوا قيادتكم .
ـ رحب الذراع : واسع المقدرة .
ـ يحلب هذا الدهر : تعني جرّب الزمان .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق