( رواية قنطرة العقاب )مانشر من قبل
تصاعدت سحب الدخان الكثيف من حولي وأنا أنظر إليها وكأن السماء أرسلتها لتمطر علينا في هذا المكان...أخذت أتفحص وجوه من حولي وكان المشهد يوحي بأنني إنتقلت إلى عالم المقابر...فقد أسدل الكل ستائره على عيونه وكأن صحوة الموت ما أرى أو غفوة الحياة كما قال الشناوي ...وجلت بنظري أتفحص المكان وتلك الحوائط التي بدت وكأنها منتهية الصلاحية أو ستسقط علينا والحجرة المجاورة والتي خرج منها الدخان وكأنه فرن بلدي وعندما مررت بها أثناء ذهابي لدورة المياه لم أحدد ماذا يوجد فيها الا وجوه متقاربة
وأصوات متناثرة وضحكات مرسلة من داخلها
وقلت في نفسي ماهذه الشقة العجيبة والتي تحولت إلى غرزة تعمل ليل نهار ولا تهدأ ويرتادها مدخنوا الحشيش من كل صوب وتعجبت ماالذي أتى بي إلى هنا ...وفركت عيناي كي أقرر هل هذا حلم عميق يأتي من أغوار سباتي أم أنا في يقظة حقيقية...هل تلاعبت المُخَدِرات برأسي ووصلت إلي درجة اللاوعي...لم يكفني فرك عيناي فقرصتُ نفسي قرصةًً شديدة ,ولكن للآسف بدلاً من أن أنتبه زاد شكي في حقيقة أمري هل أنا في حلم أم حقيقة ولم أدرك من شدة سطلتي هل أنا فعلا من قرصت نفسي أم أن من جواري هو الذي قرصني... ولم يخرجني من هذا
الذهول إلا صوت ناضورجي الغرزة وهو يصييح
كبسة كبسة -
كل واحد يخليه مكانه واللي معاه حشيش يداريه بمعرفته وهايبقى مسئول عن نفسه واللي الظابط يسأله ...إحنا بنقضي وقت مع بعض وبنشرب شيشة عادي
ثم أضئ المكان وكأن الشمس طلعت علينا مرة أخرى ليلا وأحضر الناضورجي لعبة الطاولة وترابيزة وعم الصخب المكان وتعالت الصيحات والضحكات ومرت الدقائق ثقيلة ظهرت في عيون الناضورجي – بوحه – ذلك الفتي القصير النحيف ورغم أنه يمتلئ حركة وحيوية إلا أن شعره قد كساه الكثير من البياض وكأنه بلغ
من العمر الكثير وكان هوالمتوتر الوحيد فينا ولست أدري ماالذي دفعني للتفكير في الذهاب في هذا
التوقيت ...قمت واقفاً أحاول التماسك رغما عني إلا أن بوحه بادرني قائلاً وهو يصيح
إيه مالك وقفت ليه يادكتور؟-
رددت عليه وقد أتاني شعور بالخجل من تعريفه لي بلفظ دكتور ...وأخذت أنظر حولي وغلب علي الظن أنهم سيستهزءون بي
- أنا عاوز أمشي يابوحه ووطي صوتك شوية ...لازم تشردني؟
رد بوحة مستغرباً
- ليه كفانا الشر هو إحنا بنعمل حاجة غلط يادكتور
ووضعت يدي على فمه وأنا فاقد التوازن أتمايل من شدة سطلتي وقلت له
أسكت يابوحه وبلاش دكتور دي-
رد بوحة بكل ثقه وكأنه يعلمني درساً في الحياة
_يادكتور إحنا مش بنعمل غلط الحشيش لو كان حلال أدينا بنشربه ولو كان حرام أدينا بنحرقه
تعالت ضحكات الموجودين وأخجلتني قهقهاتهم وصممت علي الخروج فتركني وهو ينظر إلي مشفقاً
تثاقلت خطواتي متكئاً على الحائط أرجو التماسك وخرجت إلي السلم وأنا أظن أنني في الشارع ثم أخذت أنظر من طاقة السلم وأنا
أستصعب الإرتفاع
نزلت بعد فترة لم أدرِ هل هي طويلة أم قصيرة ولكن فور أن خرجت من باب البيت فإذا بمجموعة من الرجال يحيطون بي ويمسكون بي من أعلى بنطالي بطريقة مهينة فأخذتني العزة
وصحت
_إيه براحه ياعم إنت وهو...إنتوا مين وعاوزين إيه وماسكني كده ليه؟ إنتوا حراميه ولا إيه
_ بس ياروح أمك إنت هاتستعبط ولا إيه يابن الكلب؟
نظرت إليه متعجباً...كانت تبدو عليه علامات القوة كثيف الحاجبين جامد الملامح وكأنه تمثال من حديد ..يرتدي تي شيرت رصاصي
بنصف كم رغم برودة الطقس وتظهر عضلاته القوية وصدره المنفوخ... ولم أنتبه إلا على صوته مرة أخري
_إنت نازل منين يالا
رددت بكلمات خافتة ولم أدري ماذا قلت وأنا أحاول أن أدرك ماذا يحدث ولكن دون جدوي ولم أفق إلا علي صوت صفعة قوية أظنها كانت على قفاي لأنني شعرت بتنميله شديدة وسخونة فيه وحاولت أن أتذكر نصيحة
بوحه وأنا بالأعلى في الغرزة وقلت في هذه المرة بصوت مسموع
_إحنا كنا قاعدين مع بعض شوية فوق لكن في إيه مش فاهم؟
ولم أتذكر لماذا نصحني بوحه هذه النصيحة
رد الرجل وهو يضحك بسخرية
_يانهار أبوك طين ده انت ضايع يابن الكلب
فتشوه ابن المسطولة ده
أظنهم لم يجدوا شيئا ساعتها
ولم أفهم بعد ماذا يحدث إلا أنهم إصطحبوني معهم لأعلى مرة أخري ودخلوا الغرزة وهم يضربون كل من يقابلهم ويقلبون الكراسي والترابيزات ثم أمسكوا ببوحه مثل الطير المذبوح بين أيديهم وضربوا كل الموجودين ركلاً وصفعاً وفتشوهم فرداً فرداً...هذا ماتذكرته ...ثم أنزلونا مرة أخري إلي أسفل وأنا في عجب شديد من الصعود والهبوط ولم أعلم إلي أين نحن ذاهبون إلا أنني سمعت بعضهم يقول قسم الشرطة
قلت في نفسي
اااااااااه يبقي دول بقي الشرطة ...يانهار_
أسود هو أنا خلاص أتسطلت جامد كده
طيب وهاعمل إيه...يالهوي ده انا دكتور هايبهدلوني وهاتضيع كرامتي
وبدأت أفيق قليلا وغلبني الهم والنكد ولم أفق إلا على صوت أحدهم وهو يقول
_ يالا يابن المسطولة انت وهو
وبدأ الضرب باللكمات والركلات وأظنني كان لي نصيب فيها ثم دخلنا واصطففنا بفعل اللكمات والركلات إلى جوار الحائط وكان المكان ضيقاً شعرت بمزاحمة من إلى جواري ودفعه لي المتوالي واقتراب الأنفاس وصوت الهمهمة يسود المكان حتى جاء الرجل القوي والذي علمت أنه ضابط كبير بالقسم فقد وضح
ذلك من هيبته وسطوته وإذعان الجميع له
...أتوا له بكرسي وجلس أمام الطابور الذي إصطففنا فيه وأخذ يسأل من أول الطابور كل عن الإسم والعمل والسكن حتى أتى دوري وكنت قد أفقت بنسبة كبيرة وبادرني بالسؤال
_ إسمك إيه يالا؟
رددت بصوت يشوبه الخوف والخجل معاً
_ إسمي حسن
_ شكلك لابس نضيف ...ولا سارق الهدوم دي
_حضرتك أنا مش حرامي
_ إنت بتشتغل إيه يالا
وهنا تلعثمت لشعوري بالخجل وترددت قليلا
في الإجابة إلا أنه بادرني وهو يصيح
ماترد ياروح ماما مالك؟_
قلت بصوت خافت
دكتور_
وكأن الكلمة نزلت عليه كالصاعقة فقال وهو يصدر أصواتا من فمه
إلى هنا (مراجعة)
??_ دكتور ....
_أيوة حضرتك
أخرجت بطاقتي وأنا أشعر أن كل
الموجودين ينظرون إلي وأكيد أنهم يسخرون مني ثم أعطيتها له , أخذها بطريقة فيها تعجب ظهرت علي ملامحه, قال وقد تغيرت لهجته
_ إنت من باب الشعرية.... وإيه اللي جابك المكان ده , ده مش مكانك...غرزة في حارة اليهود؟
يادكتور
سرت الطمأنينه إلى نفسي قليلا ولكنها طمأنينة مشوبة بالخجل وشعرت أنني أغوص في مكاني وتمنيت أن تبتلعني الأرض ولم يخرجني من هذا الشعور إلا صوت الضابط يقول
_ تعالى هنا يادكتور
ووجدته يأمر أحد الجنود أن يأتي بكرسي ويضعه إلى جوار مكتب
النوبتجي ويقول
_ أقعد يادكتور
شعرت براحة نفسية كبيرة وبدأت أساريري تنفرج شيئاً فشيئاً ودار بخلدي شريط ذكرياتي بسرعة...وكيف وصلت لهذه المرحلة من التدني...كيف وصلت إلى قاع المجتمع بهذه
السرعة , لقد نشأت في بيئة طيبة تعلمت فيها الأصول والمبادئ ذلك لأننا كنا نقيم مع جدتي في نفس الشقة والتي كانت دوما تحثني على الصلاة ومن ثم القيم والمثل بطريقة العيب وكانت تبث في
مراعاة الحلال وتجنب الحرام بطريقتها العفوية الجميلة وكانت
كثيرة الخلاف مع أبي بسبب عنفه
الشديد معي وكثرة ضربه لي بطريقة
وحشية ثم إهاناته المتكررة لي وخاصة أمام الناس وتبادر إلى ذهني
ذلك المجهود الخارق الذي بذلته أمي حتى أكمل تعليمي وكانت تشجعني على التفوق وأعتقد أنه لولاها بعد فضل الله تعالى ماوصلت
إلى ماأنا فيه
...ولكن ماالفائدة الآن وأنا أشعر أنني أتجه للهاوية ولا أدري لماذا أريد أن أهرب من الدنيا وأدفن رأسي في رمال الغيبوبة
وأفقت على صوت الضابط وهو يقول لي
_تعالى معايا يادكتور
وسرت خلفه فإذا به يصعد الدرج , صعدت خلفه , دلف إلي مكتب على يمين الدرج , وقف العسكر إنتباه وأدوا له التحية , نظر إلي ثم أردف قائلاً
_ تعالى يادكتور أدخل
دخلت وأنا تظهر علي علامات الإرتباك المقرونة بالدهشة لتلك المعاملة التي خصني
بها هذا الضابط ولم أتخيل الفارق بين الصورة التي رأيته عليها أول الأمر وبين مايفعله معي الآن, دخلت ثم بادرني بقوله
_ أقعد يادكتور
جلست وعيناي تجول في المكان ...كان مكتباً فاخراً واسعاً تتوسطه مقاعد جلدية سوداء وفي نهايته أدوات غريبة أظنها تستخدم للضغط على المستجوبين وسرت في جسدي قشعريرة ...ولفت نظري تلك اللوحة المكتوب عليها (نحن فداؤك ياوطن) والصورة التي خلف المكتب للرئيس حسني مبارك...ظللت أترقب تلك الكلمات التي أتوقعها من تأنيب وتوبيخ على الحالة التي وصلت إليها وفعلا فقد بادرني قائلاً
_ إيه اللي وصلك لكده يادكتور
_ إرتبكت الكلمات على شفتاي رغم توقعي للسؤال فقال مسترسلاً
_ محروج صح ؟
رددت بسرعة
_ إن جيت للصراحة أيوة
قال مستفسراً
_طيب إيه حصل؟
قلت وأنا أشعر باختناق شديد
_ حاسس بشرخ جوه نفسي وحاسس إن أنا مش لاقيها
قال مستغرباً
_ ليه على إيه ده كله؟
قلت وأنا أشعر بشئ من الحرج
_ أنا ضحية معاملة والدي لي
إرتفعت حواجبه واتسعت عيناه وقال
_ إزاي مش فاهم؟
قلت متوتراً
_ الموضوع قديم شوية وخايف أعطل حضرتك
قال بسرعة
_ لأ مش مهم ممكن تختصر يعني
قلت مسترسلاً
_ أنا نشأت في أسرة فقيرة نسبياً رغم إ ن والدي موظف مدني في القوات المسلحة وبيشتغل كهربائي سيارات ودخله كويس
قال متعجباً
_ طيب أمال إيه ؟
قلت موضحاً
_ والدي متزوج من إتنين وعنده من كل واحدة أولاد أنا وأختي وليه أخت تُوفيت ومن مراة ابويا خمسة
رد مفزوعاً
_ ياخبر أسود
قلت
_ أهو ده اللي حصل ويمكن ده سبب إن الأسرتين عايشين بصعوبة
قال وهو يتمثل دور الفيلسوف
_ جوز الاتنين يافاجر ياقادر..معلش يعني ومدام مش قادر يبقي.........
_ شعرت بسخونة في وجهي...فمهما كان لم أكن لأقبل إهانة توجه لوالدي فكنت رغم كل شئ أغير علي كرامته بالإضافة إلي حزني عليه وأنا أراه تتمزقه الأسرتين طلباً لمقتضيات الحياة وكان أيضاً يهرب إلي جلسات
المقهي وتدخين الحشيش...لعلي تأثرت به قليلاً
كان إذا غضب من أمي ذهب إلى زوجته الأخرى وإذا غضب من زوجته جاء إلى أمي وإذا غضب من الإثنتين ذهب إلى لوكاندة في الحسين بالقرب من صديقه أحمد الخراط.....
نظر إلي وهو يستطلع فيما أفكر وقال
_ إيه سرحت في إيه؟
قلت مدافعاً عن أبي
_ صعبان علي جدا
قال مستغرباً
_ رغم إنك بتقول إنك ضحية تربيته
قلت مقاطعاً
_ لكنه في النهاية والدي
قال مستحثاً
_ طيب كمل
قلت ولست أدري ماالذي حملني علي الاستفاضه في الكلام ...شعرت أنني أريد |أن أتكلم بلا توقف وكأنني أطهر قلبي من شئ يدنسه وينغص عليه
_ كان عنيفاً جداً وصارم صرامة شديدة فكان يضربني بمنتهي القسوة على أتفه الأشياء لدرجة أنه كان بكتف إيدي ورجلي وينزل علي بعصاية زان لحد ماتتورم إيدي ورجلي وبعدين ياخدني تحت الدش في عز الشتا ويسيبه علي
رد مذهولاً
_ معقولة؟...مش ممكن ...ليه ده كله
ووجدته ينظر إلي أدواته في نهاية الحجرة خلسة وجاء في خاطري أنه يقارن بين الأساليب.... وقلت ماالذي دعاني أن أقول هذا ؟وهل سيجدي بشئ ؟ ..أم أن شعوري بالرغبة في الكلام ورطني؟
قطع علي تفكيري وقال
_ ها كمل يادكتور
قلت وأنا لاأجد بداً من الإستمرار
_ فضلت المعاملة على كده لحد ماكبرت وماتغيرتش...ده بالإضافة إلى معاملته السيئة لأمي وضربها بصفة مستمرة خلاني حاسس بشروخ كتيرة جوه نفسي
رد مستهزءاً
_أهو ده حال معظم اللي بيتجوز إتنين
دار بخلدي قول الشاعر
تزوجت إثنتين
من فرط جهلي بزوج إثنتين
قلت أصير خروفاً بين أحلي نعجتين
صرت نعجة بين أشرس ذئبتين
ثم قلت مسترسلاً
_ بس فكنت بحاول أهرب من الواقع
قال مستلطفاً
_ طيب يادكتور ...أنا هاعتبر إن أنا ماشفتكش لكن أرجو إن أنا مااشوفكش في الموقف ده تاني إنت راجل محترم وحافظ على هيبتك
_إتفضل مع السلامة وخد بطاقتك أهي
لم أصدق نفسي وأنا أفيق من هذا الكابوس السخيف وقلت ممتناً من كل قلبي
_شكراً لك ومش هانسى اللي انت عملته معايا ده...صحيح الدنيا لسة بخير
قال وهو يشد على يدي
_ مع السلامة يادكتور وأتمني أشوفك بخير
قلت وأنا أسير تلك اللحظات
_ مع ألف سلامة ياحضرة الضابط
خرجت من القسم وتنفست من أعماقي وكأني كنت محروما من الهواء ومرت تلك الذكري المؤلمة على خاطري ككابوس مطبق أريد أن أنساه
توجهت فوري إلي البيت وحاولت أن أتجنب أن تراني أمي وأن تسألني أين كنت ولا ماذا حدث... ضغط على جرس الباب ومن حسن حظي أن فتحت الباب أختي الصغيرة فدلفت إلى حجرتي وغيرت ثيابي
وأول مافكرت فيه في تلك اللحظة ولاأدري ماالسبب , هو أن أغتسل وأتوضأ وأصلي
...شعرت أنني أريد أن أسجد لله وأشكره على نعمة النجاة والستر والأمان الذي رزقنيه...
أطلت في سجودي وأنا أرجو الله أن ينتشلني مما أنا فيه وأن يرزقني حياة مستقيمة هنيئة..إرتاحت نفسي وهدأ قلبي وسرت فيه طمأنينة وسكينة
وذهبت إلي مضجعي واستلقيت على ظهري وأنا أحدق في سقف الحجرة وكأني شعرت انه
قد إبتعد عما هو عليه , وقلبت نظري في أنحاء الحجرة ولا أدري لماذا جائني إحساس أن الأشياء لم تكن كما هي وكأنها تحركت من مكانها معلنة عن ثورة وراغبة في التغيير واعترتني فكرة التنفيذ ...لابد من تغيير كل شئ في حياتي..ذلك الكرسي في آخر الحجرة وإلي جواره المكتب الصغير وذلك الدولاب المفتح الأبواب دوماً.. ولم ألبث إلا قليلا ثم ذهبت في سباتٍ عميق
إستيقظت علي صوت المنبهة وكانت الرابعة صباحاً...فركت عيناي وقد أعياها سهرة الأمس أحاول أن أنفض غبار النوم وقمت فتوضأت ثم نزلت إلى المسجد في محاولة مني لتغيير منهج حياتي وإخضاعه لله تعالى ...صليت ثم جلست مسنداً ظهري للحائط أتأمل من حولي حتي جائني شاب في مثل عمري ,
إقترب مني ثم تودد إلي مبتسماً وقال
_ أخوك عمر , من سكان المنطقة وبشتغل محاسب
شعرت بصدري ينشرح قليلا مستأنساً لسمته وعلامات الصلاح التي بدت على وجهه وقلت
_ إسمي حسن , من سكان المنطقة برضه وطبيب في مركز سراي القبة الطبي
قال معقباً
_ ماشاء الله ونعم الناس , ياريت نشوفك معانا في المسجد على طول
قلت وأنا أشعر بموجة تفاؤل اعترتني
_ إن شاء الله ياأخ عمر
وبادرته بأخذ رقم هاتفه وأعطيته رقمي ممنيا نفسي بتواصل جميل معه ثم انصرف تصاحبه ابتسامة عريضة ارتاح لها قلبي جداً.....وجلست قليلا ثم انصرفت منشرح الصدر طيب النفس وصعدت إلى بيتي
تجهزت لعملي وأنا مبتهج وأشعر بنقاء سريرتي ولكن.... أرقني شئ مهم – تُري هل تحتاج حياتي إلى تغيير في كل شئ أم أنني سأستطيع التسلل إلى هذا العالم الجميل الذي أشعر بروعته من خلال تلك اللحظات التي مكثتها في المسجد وعلى أثر لقائي بهذا الشخص الذي إرتاحت له نفسي
نزلت إلى الشارع وأنا يعتريني هذا الشعور بشدة ودار بخلدي صورة هذا المنهج الذي وددت أن أعيشه........ وفجأة وجدت نفسي على محطة الأوتوبيس دون أن أشعر
وبدأت المعاناة الجسدية والمعنوية من جراء تلك التجربة المهينة مع ذهابي وإيابي للعمل ولكنني كما بدا لي أريد أن أنتهج سلوكا مغايرا لما كنت عليه في كل شئ
كنت لاأكترث كثيرا بالمسافات بيني وبين من يجاورني من النساء
الآن أصبحت أكثر حذراً بصدد هذه المسافات وكنت أول مرة أشعر فيها أنني أريد أن أحافظ على إنسانيتي وإنسانية من حولي من الإناث
أصبحت أحافظ على شعور من يزاحمني ويستجلبني لمعترك خفي لامانع أن تصاحبه لكمات ووطأة أقدام على أقدام وتأففات ثم ثرثرة مقيتة عقب كل حركة وهمسة
إنتهت موقعة الأوتوبيس ونزلت متوجهاً إلى المركز الصحي
وبدأت جولة أخرى من محاولة إختلاق إطار جديد من التفاعل مع من حولي يتناسب مع ماعزمت عليه
دخلت إلى عيادتي واستقبلتني سهام الممرضة ذات الوجه الصبوح وخصلات الشعر التي تطل من تحت الكاب الذي ترتديه...سبحان الله كانت عيونها الزرقاء وخدودها الملساء البيضاء المشوبة بالحمرة تضفي عليها جمالاً رائعا
إنتبهت إلى نفسي محاولاً تغيير مايدور بمخيلتي الغريزية وقلت لها
_ صباح الخير ياسهام
ردت مستغربة وقد إعترتها الدهشة
_ أول مرة تقولي ياسهام...أمال سوسو راحت فين
قلت لها مرتبكا
_ لأ سوسو سوسو أنا آسف
ولم أستطع التأقلم مع ماوددت إنتهاجه من تجنب الإفراط في المزاح الذي بلا حدود والإيحاءات التي نسري بها على أنفسنا
شعرت سهام أن بي شيئا مختلفا هذا الصباح...غابت قليلا وإذا بها تعود ومعها قهوتي وباكو من البسكويت وقالت
_مالك يادكتور
شعرت بخجل شديد ...ماذا عساي أن أقول ولكن أسعفني صوت ذلك المريض الذي شق علينا تلك اللحظات المرتبكة وهو يتأوه
هممت بسرعة إليه وبلا تفكير..فإذا بسهام تنهره بشدة محاولةً أن تستقطع الوقت لتخلو إلى محاولاتها معرفة التغيير الذي بدأت تظهر ملامحه عليّ , ولم يكن مني إلا أن علا صوتي بأن تقرب المريض مني مع إزاحتها من طريقي متجها إليه محاولاً الرفق به وإيقاف تأوهاته ولو بالتربيت عليه
نظرت إلي سهام بذعر ثم مالبثت أن واتتها حالة هيستيرية من البكاء وجرت من الحجرة
لم أكترث بها كثيرا في تلك اللحظة وشد إنتباهي ذلك الرجل ...أسندته ثم أرحته على منضدة الكشف
وجال بخاطري كيف سأغير ترتيباً كنت أعيشه بالأمس القريب
ياله من صراع ذاتي بدأ بداخلي , وتذكرت تلك الحالة من الصفاء التي إعترتني في الصباح فراقت نفسي قليلاً... إنتبهت إلى المريض ...إستمعت إلى شكوته وهدأت من روعه ثم كتبت له علاجه
وفجأة وجدت جمهرة من الممرضات يأتين على باب العيادة يتسا ئلن عن سهام وما بها
قررت أن أصمت لأنني لم أدري هل سأصيب في كلماتي أم أرتبك
إنصرفن.... وقد تركتُ لدى الكل إنطباعاً مستغرباً
مر الوقت ثقيلا وأنا قد أسقط في يدي إلا أنني شعرت بحنين أن أذهب إلى سهام وأحاول ترضيتها
توجهت إلى حيث إجتمعت عليها نخبة من زميلاتها فلما رأوني أفسحوا الطريق لي مع بعض الغمزات واللمزات التي رأيتها وأنا أتفحص الوجوه كنت أشعر أنني أتخبط وفكري مهزوز ومنطقي يتأرجح وشعرت بقوة أنني أحتاج صديق المسجد كي أفضفض له بمكنوني
استأذنت للدخول لسهام وأنا أتصبب عرقاً من الحرج وسط جموع البنات وتمنيت ألا تطيل علىّ الأمر
رأتني وكانها كانت تتمنى مجيئي ...أومأت لها كي تأتي إلى العيادة...ولم تلبث إلا قليل وأتت وهي مطأطأة الرأس وقالت في صوت منخفض
_مالك يادكتور حسن ؟
نظرت إليها وأنا أحاول ألا أفكر وقلت
_ أبداً بس مخنوق شوية
قالت
_ سلامتك ألف سلامة
قررت أن أنسحب قبل أن تنهار وسائلي الدفاعية حتى لااعود فيما قررت وأعود بسرعة إلى البيت فقد فقدت توازني الفكري تماماً
كادت سهام أن تتشبث بي ولكنني تخلصت منها برفق وهي تنظر إلي نظرة أشفقت عليها منها_ شعرت أنني أجرحها دون إنتباه مني ولكن
إنطلقت هائماً على وجهي ولكنني قررت ألا أعود إلى المنزل
ركبت تاكسي في هذه المرة فلم يكن لي طاقة بزحمة المواصلات ووجدت مقهى كبير بشارع العباسية فتوقفت ثم نزلت متوجها الى أقصى المقهي وسحبت كرسياً وجلست مسترخياً يتسرب إلى سمعي صخب الرواد
وأصوات قواشيط الطاولة وهم يخبطوها بقوة ...وثرثرة الكل وكأنهم يتكلمون في نفس واحد والدخان يتصاعد من حولي هنا وهناك من النرجيلات المتناثرة وتسرب إلى نفسي حنين التدخين ولم أستطع المقاومة...طلبت شيشة وكوب شاي وجلست أدخن دون تفكير أو تردد
كنت أشعر براحة نفسية وأنا أنفث الدخان من أنفي وفمي...سبحان الله من أين تأتي هذه المتعة الغريبة
مضى وقت طويل وأنا أتقلب في أفكاري والرجل يغير حجرا بعد حجر ولم أنتبه إلا على صوت آذان الظهر وكأنني أفقت من سبات عميق...قمت بسرعة وحاسبت القهوجي ثم أخذت أتلفت على مسجد قريب وخاصة الذي سمعت منه الآذان حتى وجدته
دخلت وتوضأت ثم صليت تحية المسجد ثم صلاة الظهر
شعرت بارتياح نسبياً ولكنني بدأت ألوم نفسي على عودتي للتدخين وتسائلت داخلي
ألن أعود إلى تدخين الحشيش مرة أخرى... وماذا فيها لو ظللت أدخن الشيشة ولكني قلت ..وماذا يضمن لي أن لا أعود
كنت قد قطعت شوطاً كبيراً وأنا أمشي على أقدامي حتى وصلت لميدان الجيش وقلت لنفسي المسافة أصبحت قريبة ولا داعي للركوب خاصة أنني سرحت هائما في ما أنا فيه ومقتضيات التغيير الذي أنشده
وصلت إلى بيتي ولا أدري كيف مر الوقت بهذه السرعة وصعدت إلى شقتي إلا أنني وجدت جلبة وضوضاء وزحام على باب الشقة
إنخلع قلبي واستطعت أن أسبح بين أمواج البشر المتزاحمون وأنا في ذهول وفجأة نظرت فوجدت أبي ممدد على الأرض وإلى جواره بعض الرجال يحاولون تهوية وجهه بكرتونة في ايديهم دفعت الكل وانحنيت عليه
وقلت لمن حولي
_أرجوكم معلش أنا آسف من غير مطرود هاكشف عليه ومحتاجين الهواء معلش أنا اسف والله
وانسحب الموجودون والكل يتمتم بكلمات خافتة وكأنهم يلعنون اللحظة التي أتوا فيها وكنت متحرجا إلا أن للضرورة أحكام
ناديت على أمي أتت ولكنها لم تكن متحمسة بشكل كافي للإنفعال على أبي..ولكن لم يكن هناك وقت للجدال
كشفت عليه ووجدته يعاني من أزمة قلبية ...لم أدري هل أصابت قلبي بلادة نحو أبي فلم أجزع عليه بشكل كافي أم أن المفاجأة كان لها أثر على ذلك
حاولت أن أرفع رأسه قليلا إلا أنني وجدت صعوبة
قلت في نفسي ليتني أبقيت على بعضهم ليساعدني وسرعان ماتبادر لذهني الأخ عمر
إتصلت به وطلبت منه ان يأتيني فورا وأعطيته وصفة البيت
ولم يكن هناك بد من الإستعانة بأحد لينزله معي إلى الشارع مع الأخ عمر ولم تكن أمي لديها القدرة البدنية ولا النفسية لمجرد المحاولة
سألتها على إستحياء
_ مالك ياأمي ؟ إية اللي فيكي...زعلانة من أبويا صح
قالت وكأنما أرادت أن لا أضعها في هذه الخانة
_ وهوده وقته ياحسن ...يالا خلينا نشوف هاننقله ازاي للمستشفى
ولم يكن مني إلا أن نزلت مسرعاً مرة أخرى لانتظار عمر وللإستعانة برجلين من الجيران وبالفعل وجدت بعضهم لازال واقفاً أسفل البيت ولم يتأخرا بل سرعان ماصعدا معي وجاء عمر أيضاّ
كانت أمي قد اتصلت بالإسعاف أيضاً ولم تمضي دقائق حتى سمعت سارينة السيارة لحسن حظنا
نقلنا أبي إلى السيارة وأوصيت المسعف أن يضع له محاليل وبها أدوية كنت قد إصطحبتها معي ولم يمر وقت طويل حتى وصلنا لمستشفى سيد جلال وسرعان ماساعدونا بعد أن عرفوا شخصيتي ووظيفتي .
وفجأة وجدت أمي وأختي قد حضروا ...وناديت على أمي وهمست في أذنها
_ مش واجب نتصل بمراة أبويا
ولم أكد أكمل الجملة حتى إستشاطت أمي غيظا فلم تكن تقبل سيرتها أبداً...صرخت في وجهي وقالت
_ يعني إحنا نشيل الطين ونتعب وهي تيجي على الجاهز تتضايف علينا
قلت محاولا إنهاء تلك الأزمة السريع وقد وضعت يدي برفق على فم أمي
_ خلاص خلاص ياأمي حقك علي ربنا يستر عليه يارب ويشفيه
تمتمت ببعض كلمات لم أفهمها وتركتها
وقد لاحظ عمر ذلك الحوار الجانبي وعلامات الإنفعال على وجهي ووجه أمي فأشار بيده موحيا لي بالهدوء.... وذهبت لمتابعة أبي وبمجرد أن دخلت إلى باب العناية المركزة وجدت حركة غير عادية والكل يتسارع في لهفة وارتباك
إستوقفت إحدى الممرضات وسألتها
_ هو في إيه ياميس ؟
قالت مرتبكة متوترة
_المريض دخل في شوك
تسمرت مكاني وبدا على الفزع هذه المرة ودخلت إليهم مسرعا بعد أن إرتديت الماسك والحذاء والقفاز
وما أن دخلت ونظرت إلى الجهاز حتى شهقت شهقة كبيرة
لقد مات أبي
أصابني شعور عميق بالخوف والفزع أعقبهم شعور بالحزن مفاجئ ووجدت نفسي أجهش بالبكاء رغما عني...تجمعوا حولي يربتون علي كتف ويؤازرونني
وأحضرت إحداهن كرسي وجلست عليه ولازلت أبكي ودموعي وكأنها شلال إنفجر فبرغم قسوة أبي علي وشدته إلا أنني شعرت في هذه اللحظة أنني لن أراه لن أجادله ويجادلني لن أسمع صوته وزادت دموعي حتى أنهم رأوا أن يخرجوني من الحجرة
مراعاة لظروف المرضى المجاورين
خرجت إلى أمي وماأن رأتني حتى علمت بما جري والذي لم أكن أتوقعه أنها إنهارت وتهاوى جسدها على مقعدها باكية بصوت عالي لفتت أنظار كل من حولها
ظللت أواسيها وأربت على كتفها وأنا في أشد الحاجة لمن يواسيني ويربت على قلبي الكسر
وتذكرت حياة أبي رحمه الله وكيف قضاها في شقاء وتذكرت زوجة أبي أبي
ولم أجد بداً من إبلاغها هي وإخوتي من والدي
حتى يدركوا تلك الحظة ومن أراد منهم أن يراه
كانت علاقتي بهم طيبة رغم كره أمي لهم جميعاً وكنت أودهم بين فترة وأخرى رغم محاولاتها المستميتة أن أقطع علاقتي بهم لكنني كنت حريصاً على العلاقة معهم متجنباً غضب أمي بمواراة هذه العلاقة أغلب الوقت إلا أنها كانت تعلم بها أحياناً من أبي رحمه الله وأحيانً بزلة لسان مني......................
إتصلت بهم وجاءوا جميعاً..... ولم يخلو الأمر من اللوم الشديد والإتهام بالإهمال بل والإتهام بمحاولة الهيمنة على مجريات الأحداث والاستحواذ على أبي وحياته ثم حتى مماته منهم جميعا لنا جميعاً بل تطور الأمر إلى إتهام بمحاولة إخفاء مامع والدي رحمه الله من أموال ومقتنيات
كل هذا والرجل لم يدفن بعد...أطبق علي الصمت وشعرت أنني سأصمت حتى أموت في هذه الهزلية لكنني تحاملت على نفسي
وجاء عمي والذي كان ميسورا بعض الشئ ورتب لمراسم الدفن ثم لعزاء إعتقد أنه مايجب أن يليق بالعائلة
وكان السرادق المقام أشبه بحانة كل من فيها سكارى وكل في همه وحاله إلا أنهم يجمعهم مكان واحد
مر يوم العزاء وتفرق الناس كلٌ لحاله وبقيت وحدي أستعرض كل حياتي مرة أخرى وحياة أبي رحمه الله وكأنها شريط يجري بسرعة البرق
وسيطرت على البيت حالة من السكون الرهيب حتى أننا لم نوجه لبعضنا أي كلمات وظل الحال على هذا المنوال حتى مرت فترة الإجازة وقد تجمدت مشاعري ...حتى برقيات العزاء وزيارات من علم من زملائي مرت فاترة ...لكنني إنتابتني حالة من الإصرار على تغيير كل حياتي وبكل صرامة...إنتابني شعور قوي بإعتزال كل مباهج الحياة وكأنني أردت أن أحبس نفسي في أي مسجد ولا أري كل من عرفتهم
وقبعت أحاول أن أقرأ في أي من الكتب التي إكتظت بها رفوف مكتبتي ممحاولا البحث عن كيفية البدء
وغرقت في هذه الكتب...تارة أفهم وتارة أحاول الفهم وتارة أخرى يصيبني البله إلا أنني عزمت على التغيير وبكل قوة
إزداد هذا الشعور بمجرد أن خطت قدماى عيادتي
جائت سهام وكلها حزن وأسى تريد مجاملتي بإظهار ذلك ومواساتي
ومدت يدها تسلم عليّ فما كان مني إلا أن تجاهلتها وقلت في حزم وبصوت أجش
_جهزي العيادة علشان نبتدي الكشف
#عصام_قابيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق